تربية الطفل عند ابن قيم الجوزية

Citation
, XML
Authors

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وبعد:

تناولت كتب العلماء المسلمين في مختلف العلوم كثيراً من الآراء والمبادئ والمفاهيم التربوية التي تغطي جميع الجوانب التربوية سواء على مستوى التعلم أو المعلم أو المادة المتعلمة، والتي تدل دلالة واضحة على سعة إطلاع أولئك العلماء الأفاضل وعمق معرفتهم بكثير من الأسس التربوية. وهذا يتطلب من العاملين في الميدان التربوي الاستفادة القصوى من مدونات ومؤلفات أولئك العلماء ومنهم الإمام الشافعي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم الجوزية وابن خلدون وابن جماعه والزرنوجي، والذهبي، والإمام ابن حجر والإمام النووي.

والمتتبع لتصانيف وتآليف هؤلاء العلماء يجد أنها مازالت بحاجة إلى كثير من الدراسة والعناية على الرغم من وجود دراسات تربوية عديدة تناولت الآراء التربوية عند بعض العلماء ولكن الملاحظ أن هذه الدراسات تحاول الإلمام بجميع جوانب كل شخصيـة على حـدة، وهـذا من الصعوبة بمكان لعوامل كثيرة يصعب جمعها في هذا المقام.

وو ابن قيم الجوزية؛ أشار غلى تربية الطفل بصراحة ووضوح في كتابه «تحفة المودود» حيث قال: (وهذا كتاب قصدنا فيه ذكر أحكام المولود المتعلقة بعد ولادته ما دام صغيراً من عقيقته وأحكامها، وحلق رأسه، وتسميته، وختانه، وبوله، وثقب أذنه، وأحكام تربيته)([i]). وقال أيضاً: (فلما انفصل عن أمه – أي الطفل – تعلقت به أحكامه الأمرية، وكان المخاطب بها الأبوين أو من يقوم مقامهما في تربيته) ([ii]). وكذلك قال في موضع آخر: (فإن ولد – أي الطفل – في هذه الأربعين يوماً مات ولم يمكن تربيته)([iii]). وأيضاً قال (ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها)([iv]). وأيضاً عنوان الباب السادس من الكتاب احتوى على جملة في تربية الأطفال،

وعنايته  بالطفولة ليس  غريبا   لأنها  تنطلق  من عناية الدين  بمرحلة الطفولة  

مرحلة الطفولة مرحلة مهمة من مراحل حياة الإنسان تبدأ من مولده وتنتهي ببداية مرحلة البلوغ ويمـر خـلال هـذه الفترة من حياته بكثير من التغيرات الجسمية والنفسية: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهم﴾ (سورة النور، آية 59).

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: إن الأطفال بحاجة إلى تعليم وتأديب)([v]). وهذا حق من حقوق الطفل والواجبات نحوه التي تشمل جوانب كثيرة قال الله تعالى ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَولَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾(سورة البقرة، آية 233).

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (هذا خبر بمعنى الأمر، تنـزيلاً له منـزلة المتقرر الذي لا يحتاج إلى أمر)([vi]).

والهـدي النبـوي يـؤكـد وجـوب رعـاية الأطفال والعطف عليهم ومخاطبتهم والتلطف معهم. ففي الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال كان رسول الله r يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول اللهم ارحمهما فإني أرحمهما([vii]).

وأيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت (جاء أعرابي إلى النبي r فقال: أتقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي r أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة) ([viii]).

وأيضاً عن أنس بن مالك t قال: كان الرسول r: أحسن الناس خلقاً وكان لي أخ يقـال له أبو عمير فـإذا جاء رسول الله r فرآه قال: (أبا عمير ما فعل النغير؟)([ix]).

ولم يقتصر الرسول r على مخاطبة وملاطفة الأطفال بل كان يقوم بالإرشاد والتوجيه، عن عمر بن أبي سلمه t قال (كنت غلاماً في حجر رسول اللهr، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال رسول اللهr : (يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك)([x]).

وامتدت رعاية الرسول r بالأطفال حتى بعد وفاتهم، قال ابن قيم الجوزية (وكان من هديه r الصلاة على الطفل)([xi]).

وبالرغم من تأكيد كثير من الباحثين على آراء ابن القيم الجوزية مثل عبد الرحمن النحلاوي في مؤلفاته ومقداد يالجن في مؤلفاته وطاهر سليمان حمودة في «كتابه ابن قيم الجوزية جهوده في الدرس اللغوي» وكذلك حسن بن علي الحجاجي في دراسته التي بعنوان «الفكر التربوي عند ابن القيم».

ألا أن هذه التأكيدات تعد محدودة إذا ما قورنت بالإنتاج العلمي الغزير لابن قيم الجوزية الذي تجاوز تقديم الأفكار في مؤلفات أو مدونات هنا وهناك إلى ممارسة التدريس فعلاً فهو يحمل لقب ابن القيم وهذا اللقب لقب تربوي تعليمي حيث عاش وظهر في ميدان تربوي ومارس العمل في ميدان التربية والتعليم عن كثب ودراية وعلم، مما يجعل آراءه التربوية لها بعد وعمق أكثر من غيره ويجعلها علامة فارقة في تاريخ التربية الإسلامية. وتتضح أهمية تربية الطفل عند ابن قيم الجوزية فيما يلي:

1-         ابن قيم الجوزية له شهرة واسعة في التأليف والتصنيف فقد قال عنه ابن رجب أنه (تفنن في علوم الإسلام، وكان عالماً بعلم السلوك له في كل فن)([xii]). وقال عنه الشوكاني: هو العلامة المجتهد المصنف المشهور([xiii]).

2-         لم يعثر الباحث على دراسة بعنوان تربية الطفل عند ابن القيم الجوزية أو أي دراسة أفردت الآراء التربوية الخاصة بالطفولة عند ابن قيم الجوزية، مما يعطي هذه  الموضوع أهمية خاصة في هذا المجال.

3-         إن دراسة آراء وأفكار ابن قيم الجوزية ضرورية وخاصة أنه علم بارز في ميدان التربية الإسلامية.

4-         ميدان تربية الطفل من الميادين المستجدة التي بدأ الاهتمام بها، بينما المتتبع لمؤلفات ومصنفات المفكرين في تاريخ التربية الإسلامية يلحظ كثيراً من الآراء والأفكار التربوية التي تتعلق بجوانب تربية وتعليم الطفل وهذه الآراء والأفكار بحاجة إلى إبراز وتصنيف حتى يمكن الاستفادة منها بإذن الله تعالى.

 

وللبحث   بقية
 
 
مع  تحيات 
د عيد  حجيج الجهني
المدينة المنورة
 
المملكة العربية السعودية


[i]- ابن القيم الجوزية: تحفة المودود، ص 31.

[ii]- ابن القيم الجوزية: تحفة المودود، ص 30.

[iii]- ابن القيم الجوزية: تحفة المودود، ص 31.

[iv]- ابن القيم الجوزية: تحفة المودود، ص 31.

[v]- السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 671.

[vi]- السعدي، تيسير الكريم الرحمن ، ص204.

[vii]- الزبيدي، مختصر البخاري، كتاب الأدب، ص 467.

[viii]- الزبيدي، مختصر البخاري، كتاب الآداب ص467.

[ix]- صحيح مسلم، كتاب الآداب ص560.

[x]- الزبيدي، مختصر صحيح البخاري، ص443.

[xi]- ابن القيم، زاد المعاد1/512.

[xii]- ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة ص 448.

[xiii]- الشوكاني، البدر الطالع 2/143.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.